الشهيد الثاني

32

روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان ( ط . ج )

ولمّا فرغ من حمد اللَّه والثناء عليه بما هو أهله توسّل في تحصيل مرامه بالدعاء للأرواح المقدّسة المتوسّطة بين النفوس الناقصة المنغمسة في الكدورات البشريّة ، وبين المبدأ الفيّاض المتنزّه عن شوائب النقص في استفادة العنايات والأنوار منه وإفاضتها عليها بقوله : ( وصلَّى اللَّه ) من الصلاة المأمور بها في قوله تعالى : * ( صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا ) * ( 1 ) . وكان الأحسن أن تقرن الصلاة عليه بالسلام ، كما يقتضيه ظاهر الآية ، لكنّ أصحابنا جوّزوا أن يراد بقوله : * ( وسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) * ( 2 ) أي : انقادوا لأمره انقياداً ، كما في قوله : * ( فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ) * إلى قوله : * ( ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) * ( 3 ) فلذلك سهل الخطب عندهم في إفراد الصلاة عن السلام وإن احتمل أن يراد به التحيّة المخصوصة لعدم تحتّم ذلك . والصلاة : الدعاء من اللَّه وغيره ، لكنّها منه مجاز في الرحمة ، كما قال بعضهم . وقال آخرون : هي منه الرحمة . ويرجّح الأوّل أنّ المجاز خير من الاشتراك ، وقوله تعالى : * ( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ ) * ( 4 ) فإنّ العطف يقتضي المغايرة . وربما يرد هذا على الأوّل أيضاً ، لكن يمكن دفعه بأنّ التصريح بالحقيقة بعد إرادة المجاز يفيد تقوية المدلول المجازيّ ، ولجأ بعضهم إلى أنّها من اللَّه تعالى بمعنى الرضوان حذراً من ذلك . والأولى في الجواب عن ذلك : المنع من اختصاص العطف بلزوم المغايرة فإنّ من أنواع « الواو » العاطفة عطف الشيء على مرادفه ، كما ذكره ابن هشام في المغني ( 5 ) . وذَكَر من شواهده قوله تعالى : * ( أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ ) * ( 6 ) وقوله تعالى : * ( إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إِلَى الله ) * ( 7 ) ونحو * ( لا تَرى فِيها عِوَجاً ولا أَمْتاً ) * ( 8 ) وقوله عليه السلام : صلَّى اللَّه عليه وآله : « لِيَلِيني منكم ذوو الأحلام والنهى » ( 9 ) .

--> ( 1 ) الأحزاب ( 33 ) : 56 . ( 2 ) الأحزاب ( 33 ) : 56 . ( 3 ) النساء ( 4 ) : 65 . ( 4 ) البقرة ( 2 ) : 157 . ( 5 ) مغني اللبيب 1 : 467 . ( 6 ) البقرة ( 2 ) : 157 . ( 7 ) يوسف ( 12 ) : 86 . ( 8 ) طه ( 20 ) : 107 . ( 9 ) سنن ابن ماجة 1 : 312 - 313 / 976 سنن أبي داود 1 : 180 / 674 سنن النسائي 2 : 78 سنن الدارمي 1 : 290 سنن البيهقي 3 : 137 ، ذيل ح 5161 المستدرك - للحاكم - 2 : 8 مسند أحمد 5 : 102 / 6653 باختلاف يسير .